أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

409

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ . في هذه الفاء وجهان : أحدهما - وبه قال الزمخشري - : أنها جواب شرط مقدر ، أي : « إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم » . قال الشيخ : « وليست جوابا ، بل لربط الكلام بعضه ببعض » . قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ قرأ الأخوان وابن عامر « ولكن اللّه قتلهم » ، « ولكن اللّه رمى » بتخفيف « لكن » ورفع الجلالة . والباقون بالتشديد ونصب الجلالة ، وقد قدم توجيه القراءتين مشبعا في قوله : « وَلكِنَّ الشَّياطِينَ » . وجاءت هنا « لكِنَّ » أحسن مجيء ، لوقوعها بين نفي وإثبات . وقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ نفى عنه الرمي ، وأثبته له ، وذلك باعتبارين ، أي : ما رميت على الحقيقة ، إذ رميت في ظاهر الحال ، أو ما رميت الرعب في قلوبهم ، إذ رميت الحصيات والتراب . وقوله : « وَما رَمَيْتَ » هذه الجملة عطف على قوله : « فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ » ، لأن المضارع المنفي ب « لم » في قوة الماضي المنفي ب « ما » ، فإنك إذا قلت : « لم يقم » كان معناه : ما قام . ولم يقل هنا : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ، كما قال : « إِذْ رَمَيْتَ » مبالغة في الجملة الثانية . قوله : « وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ » متعلق بمحذوف ، أي : وليبلي فعل ذلك ، أو يكون معطوفا على علة محذوفة ، أي : ولكنّ اللّه رمى ليمحق الكفار ، وليبلي المؤمنين . والبلاء في الخير والشر ، قال زهير : 2418 - . . . * فأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو « 1 » والهاء في « مِنْهُ » يعود على الظّفر بالمشركين . وقيل : على الرمي . قالهما مكي . والظاهر أنه يعود على اللّه تعالى . قوله : ذلِكُمْ . يجوز فيه الرفع على الابتداء ، أي : ذلكم الأمر ، والخبر محذوف ، قاله الحوفي . والأحسن أن يقدر الخبر : ذلكم البلاء حقّ وحتم . وقيل : هو خبر مبتدأ ، أي : الأمر ذلكم ، وهو تقدير سيبويه . وقيل : محله نصب بإضمار فعل ، أي : فعل ذلكم . والإشارة ب « ذلِكُمْ » إلى القتل والرمي والإبلاء . وقوله : « بَلاءً » يجوز أن يكون اسم مصدر ، أي : إبلاء ، ويجوز أن يكون أريد بالبلاء نفس الشيء المبلوبه . قوله : « وَأَنَّ اللَّهَ » يجوز أن يكون معطوفا على « ذلِكُمْ » ، فيحكم على محله بما يحكم على محل « ذلِكُمْ » ، وقد تقدم ، وأن يكون في محل نصب بفعل مقدر ، أي : واعلموا أنّ اللّه ، وقد تقدم ما في ذلك . وقال الزمخشري : « إنه معطوف على « وَلِيُبْلِيَ » - يعني : أن الغرض إبلاء المؤمنين ، وتوهين كيد الكافرين » . وقرأ ابن عامر والكوفيون « موهن » بسكون الواو وتخفيف الهاء من « أوهن » ، ك « أكرم » . ونوّن « مُوهِنُ » غير حفص . وقرأ الباقون « موهّن » بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين ف « كَيْدِ » منصوب على المفعول به في قراءة غير حفص ، ومخفوض في قراءة حفص ، وأصله النصب . وقراءة الكوفيين جاءت على الأكثر ، لأن ما عينه حرف حلق غير الهمزة تعديته بالهمزة ، ولا يعدّى بالتضعيف إلا كلم محفوظة ، نحو : « وهّنته ، وضعّفته » .

--> ( 1 ) تقدم .